المناوي

15

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

اعلم أنّ النّفس إذا اتّصلت بالعقول المفارقة ، فالأثر الحاصل منها في النّفس على أقسام : الأول : أن يكون ضعيفا جدا ، فلا يحرّك الذّكر والخيال ويبقى فيه أثرهما « 1 » . الثاني : أن يكون أقوى من ذلك ، فيحرّك الخيال ، لكنّ الخيال يمعن في الانتقال . الثالث : أن يكون قويّا جدا فترتسم الصّور في الخيال [ ارتساما ] تامّا . وليست هذه الأحوال خاصّة بالنّوم ، بل تحصل في اليقظة ، فإنّك إذا تفكّرت في أمر فربّما انضب فكرك في ذكرك ، وربّما انتقل عن مطلوبك إلى أمور أخرى ، وذلك هو السّبب في أنّه ربّما يقع الخلل في الكشف . اعلم أنّ لمحات الغيب تارة تكون ضربا من ظنّ قويّ ، وتارة تكون شبيها بخطاب من هاتف أو جنّي ، وتارة تكون مع ترائي شيء للبصر مباشرة بلا واسطة حتّى يشاهد صورة الغيب مشاهدة كشف محقّق . والأولياء تختلف مقاماتهم على هذه الأوجه . وهذه حجج عقليّة قد قامت عليها براهين نقليّة ، فمن السّعادة لمحبّي الاستبصار ، الطّالبين للنّجاة يوم القرار أن يسلّموا أوّلا ولا يعترضوا فإذا بلغك عن الأولياء أخبار تأتي بخرق العادات ، كأن سمعت أنّ عارفا استسقى لقوم فسقوا حالا ، أو دعا عليهم فخسف بهم ، أو زلزلوا ، أو هلكوا ، أو دعا لهم ، فصرف عنهم الوباء ، أو البلاء ، أو القحط ، أو الفناء ، أو خضع له سبع ، أو لم ينفر منه طير ، أو خاطبه بعض الحيوانات ، أو نطق له بعض الجمادات ، أو كلّمه بعض الأموات ، أو يطير في الهواء ، أو يسبح في الماء ، أو غير ذلك ، فلا تبادر إلى الإنكار ، فتعرّض نفسك للتّلف ودار البوار . أما علمت أنّ النّفس النّاطقة ليست علاقتها مع البدن علاقة انطباع بل ضربا من العلائق أخر ، فهي قائمة بذاتها ، لا تعلّق لها بالبدن غير تعلّق التّدبير والتّصرّف ، وهيبة الاعتقاد المتمكّن من النّفس وما يتبعه ، كالظّنّ والتوهّم ، بل والخوف والفرح ، قد ينادى إلى بدنها مع مباينة النّفس له بالجوهر ، والهيئة الحاصلة فيه من تلك الهيئات النّفسانيّة . وممّا يؤكّد ذلك أمران :

--> ( 1 ) لعل الصواب : ويبقى فيها أثرها . الدكتور بكري علاء الدين .